زكي مبارك

25

عبقرية الشريف الرضي

العراق يشهد بأن أهله كانوا من أقدر الناس على تحليل العواطف والأحاسيس ومؤلفات فلاسفته تنطق بأنهم كانوا من أشوق الناس إلى درس أصول الحب والبغض ، فمن العسير أن نصدق أن الرضي هجم على أخيه إلا بعد أن طفح الكيل ، وعز الوفاق . ولكن ما بالنا نشغل أنفسنا بهذه الدقائق النفسية يكفي أن نعرف أن الرضي عرف في حياته لونا أسود هو الاضطغان على الأخ الشقيق ، وأنه لم يرد ذلك المورد إلا وهو آسف محزون ، وقد نظم في ذلك قصيدة ضادية هي أعظم ما نظم في قافية الضاد . وقد تأثر بها الضادية التي اختارها أبو تمام في الحماسة ، فجاءت ضاديته أبلغ وأروع ، والشعراء يعدي بعضهم بعضا بالعواطف والأحاسيس ، ولننظر كيف يقول : رضيت من الأحباب دون الذي يرضى ودانيت من تقضى الديون ولا يقضي وقد أنهرت فيّ الليالي جراحها مرارا وأنضاني من الهم ما ينضى ( 1 ) طوى الدهر أسباب الهوى عن جوانحي وحل الصبا عقد الرحائل عن نقضي ( 2 ) ولم يبق لي في الأعين النجل طربة ولا أرب عند الشباب الذي يمضي ضحا اليوم عن ظل الشبيبة مفرقي وأبدل مسودّ العذار بمبيض ( 3 )

--> ( 1 ) أنهر الجرح وسعه . وانضاه أهزله واضناه . ( 2 ) النقض بالكسر المهزول من السير . ( 3 ) ضحا : برز للشمس ، والمفرق بفتح الراء وكسرها وسط الرأس وهو الذي يفرق منه الشر .